ابن كثير
23
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
أَتْراباً أي في الأخلاق المتواخيات بينهن ، ليس بينهن تباغض ولا تحاسد ، يعني لا كما كن ضرائر متعاديات . وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو سعيد الأشج ، حدثنا أبو أسامة عن عبد اللّه بن الكهف عن الحسن ومحمد عُرُباً أَتْراباً قالا : المستويات الأسنان يأتلفن جميعا ويلعبن جميعا . وقد روى أبو عيسى الترمذي عن أحمد بن منيع عن أبي معاوية عن عبد الرّحمن بن إسحاق عن النعمان بن سعد عن علي رضي اللّه عنه قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « إن في الجنة لمجتمعا للحور العين يرفعن أصواتا لم تسمع الخلائق بمثلها - قال - يقلن نحن الخالدات فلا نبيد ، ونحن الناعمات فلا نبأس ونحن الراضيات فلا نسخط طوبى لمن كان لنا وكنا له » « 1 » ثم قال : هذا حديث غريب . وقال الحافظ أبو يعلى : أخبرنا أبو خيثمة ، حدثنا إسماعيل بن عمر ، حدثنا ابن أبي ذئب عن فلان ابن عبد اللّه بن رافع عن بعض ولد أنس بن مالك عن أنس أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « إن الحور العين ليغنين في الجنة يقلن نحن خيرات حسان خبئنا لأزواج كرام » قلت : إسماعيل بن عمر هذا هو أبو المنذر الواسطي أحد الثقات الأثبات . وقد روى هذا الحديث الإمام عبد الرّحيم بن إبراهيم الملقب بدحيم عن ابن أبي فديك ، عن ابن أبي ذئب عن عون بن الخطاب بن عبد اللّه بن رافع عن ابن لأنس عن أنس قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « إن الحور العين يغنين في الجنة نحن الحور الحسان خلقنا لأزواج كرام » وقوله تعالى : لِأَصْحابِ الْيَمِينِ أي خلقن لأصحاب اليمين أو ادخرن لأصحاب اليمين أو زوجن لأصحاب اليمين ، والأظهر أنه متعلق بقوله إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً فَجَعَلْناهُنَّ أَبْكاراً عُرُباً أَتْراباً لِأَصْحابِ الْيَمِينِ فتقديره أنشأناهن لأصحاب اليمين ، وهذا توجيه ابن جرير . وروي عن أبي سليمان الداراني رحمه اللّه تعالى قال : صليت ليلة ثم جلست أدعو وكان البرد شديدا فجعلت أدعو بيد واحدة ، فأخذتني عيني فنمت فرأيت حوراء لم ير مثلها وهي تقول : يا أبا سليمان أتدعو بيد واحدة وأنا أغذي لك في النعيم منذ خمسمائة سنة . قلت : ويحتمل أن يكون قوله : لِأَصْحابِ الْيَمِينِ متعلقا بما قبله وهو قوله : أَتْراباً لِأَصْحابِ الْيَمِينِ أي في أسنانهم ، كما جاء في الحديث الذي رواه البخاري ومسلم من حديث جرير عن عمارة بن القعقاع عن أبي زرعة عن أبي هريرة قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « أول زمرة يدخلون الجنة على صورة القمر ليلة البدر ، والذين يلونهم على ضوء أشد كوكب دري في السماء إضاءة ، لا يبولون ولا يتغوطون ولا يتفلون ولا يتمخطون ، أمشاطهم الذهب ورشحهم المسك ومجامرهم الألوة ، وأزواجهم الحور العين ، أخلاقهم على خلق رجل واحد على صورة
--> ( 1 ) أخرجه الترمذي في الجنة باب 24 .